طاهر سليمان حموده

263

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

العناية كفيلة بأن توفر الثقة في المنقول إلينا بعد اجتيازه لمرحلة النقد السابقة ، بيد أن كلتا البيئتين لم تقتصر - في الواقع - على هذه المرحلة ، بل أتبعتها بمرحلة أخرى من النقد تتناول المنقول نفسه ، وهي ما نسميه بنقد المتن . وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن المسلمين قد اقتصروا في نقدهم على الأسانيد ولم يتناولوا المتون ، وقد جازت هذه الفكرة إلى الشرق وتبعها أحمد أمين في كتابه ضحى الاسلام ، وقد رد أمين الخولي على هؤلاء مبينا أن المسلمين اهتموا بنقد المتن كما اهتموا بنقد السند ، ومن الأدلة على ذلك اعطاؤهم الحديث ألقابا اصطلاحية من صفات خاصة بالمتن دون السند كتسميتهم « الشاذ » و « المقلوب » و « المضطرب » و « مدرج المتن » و « المحرف » و « المصحف » . وكذلك وصفهم قواعد لنقد المتن تصل من الحرية العقلية إلى حد بعيد ، وقد مثل لقيامهم بنقد متون بعض الأحاديث ، ثم بين أن علم الحديث قسمان : علم الحديث دراية وهو أصول الحديث ، وعلم الحديث رواية وهو دراسة الحديث عند الفقهاء والمتكلمين والمفسرين ، ولدى هذه البيئات نجد قيامهم بنقد المتن « 1 » . إذا كان هذا أمر نقد المتن في بيئة المحدثين فما ذا كان من أمره في بيئة اللغويين وقد تبين لنا في المرحلة الأولى ترسم اللغويين - لا سيما السيوطي - لخطى أهل الحديث في قواعد النقد وأصوله ؟ ثم ما الدور الذي قام به السيوطي في دراسة نقد المتن ؟ . وقد حظي النظر في النصوص اللغوية ونقدها بعناية اللغويين والنقاد منذ وقت مبكر ، وقرر ابن سلام أنه « ليس يشكل على أهل العلم زيادة الرواة ولا ما وضعوا ولا ما وضع المولدون ، وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل بادية من ولد الشعراء أو الرجل ليس من ولدهم فيشكل ذلك بعض الأشكال » « 2 » .

--> ( 1 ) انظر مادة « أصول » في دائرة المعارف الاسلامية ( الترجمة العربية ) ، والتعليق عليها للأستاذ أمين الخولي . ( 2 ) طبقات فحول الشعراء ص 40 ، وقد نقله صاحب المزهر ج 1 ص 174 .